Deen Hub

seerah

النبي يوسف عليه السلام: أحسن القصص

Deen Hub Editorial
2026-06-13
8 min read

أكثر قصص الأنبياء جاءت في القرآن مفرّقة؛ آيات هنا وتذكير هناك. أما قصة النبي يوسف عليه السلام فقد جاءت كاملة متصلة في سورة واحدة هي سورة يوسف، السورة الثانية عشرة من القرآن. وقبل أن تبدأ القصة وصفها الله بوصفٍ لم تنله قصة سواها: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ» (يوسف: 3). واستحقت هذا الوصف لأنها تجمع في حياة فتى واحد كل ما يحتاجه المؤمن من دروس: الصبر على الظلم، والعفّة عند الفتنة، والثقة بتدبير الله، ونموذجًا في العفو ما يزال يُبهر القارئ بعد أربعة عشر قرنًا.

رأى يوسف في صغره أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر ساجدين له (يوسف: 4)، فأدرك أبوه النبي يعقوب أن الله اصطفى ابنه لأمر عظيم، وحذّره أن يقصّ رؤياه على إخوته «فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا» (يوسف: 5). وصدق التحذير؛ إذ حملهم الحسد على أن أبعدوه وألقوه في غيابة الجبّ، ثم جاؤوا أباهم بقميصه ملطّخًا بدمٍ كذب يزعمون أن الذئب أكله. فكان جواب يعقوب عنوانًا للقصة كلها: «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» (يوسف: 18)، صبرٌ لا شكوى فيه إلا إلى الله.

ولا تغفل القصة لحظةً عن الأب الذي بقي وحيدًا؛ فلم يجزع يعقوب ولم ييأس، بل حمل مصابه بالوقار الذي أوصى به، قائلًا: «إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ» (يوسف: 86). وطالت سنون حزنه حتى «ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ» (يوسف: 84)، ومع ذلك ما قنط من رحمة الله، بل أوصى بنيه: «وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ» (يوسف: 87). فصبر الأب قرينُ صبر الابن، وبرهانٌ على أن بلاء المنتظِر في بيته قد يكون أثقل من بلاء المأخوذ بعيدًا.

التقطته قافلة من البئر وباعته في مصر بثمنٍ بخس (يوسف: 20)، فاشتراه عزيز مصر ونشأ في بيته رجلًا عظيم الخُلق، حتى نزل به أشدّ ابتلاءات شبابه حين راودته امرأة العزيز عن نفسه، فلما أبى اتهمته أمام أهل البيت. وقد حفظ القرآن اختياره في كلمة يحفظها كل مؤمن: «قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» (يوسف: 33)، فاختار السجن على المعصية.

وفي السجن لم يضيّع يوسف بلاءه، بل دعا صاحبيه إلى توحيد الله ونبذ الآلهة الباطلة (يوسف: 37–40)، وآتاه الله علم تأويل الأحاديث. فلما رأى ملك مصر سبع بقرات سمانٍ يأكلهنّ سبع عجاف، وسبع سنبلاتٍ خضرٍ وأخر يابسات، كان يوسف هو الذي فكّ الرؤيا: سبع سنين رخاءٍ تتبعها سبع سنين جدبٍ وخطة لادّخار الطعام (يوسف: 43–49). فدعاه الملك وتبيّنت براءته، فجُعل الذي دخل مصر مملوكًا على خزائنها (يوسف: 55) يدبّر نجاة الأرض التي استُرقّ فيها.

ولما حلّ القحط قدم إخوة يوسف إلى مصر يطلبون الطعام وهم لا يعرفونه، فلما اجتمع بأخيه واختبرهم كشف لهم عن نفسه، فارتاعوا وتوقعوا الانتقام، فإذا به يجيبهم بآية هي ذروة السورة كلها: «لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» (يوسف: 92). ملك كل أسباب الثأر فاختار الرحمة. ثم اجتمع شمل أبويه وإخوته في مصر، وتحققت رؤيا الصبا حين رُفعوا على العرش سُجّدًا (يوسف: 100). وقد أثنى النبي ﷺ على نسبه فقال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» (صحيح البخاري، كتاب الأنبياء).

وفوق كل كيدٍ بشريّ في القصة يقف تدبير الله؛ كاد الإخوة، وتاجرت القافلة، وسجن بيت العزيز، وفي خلال ذلك كله يجري تدبيرٌ لا يبصره أحدهم، حتى سمّاه يوسف في الختام: «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ» (يوسف: 100). فما بدا سلسلةً من النكبات كان في الحقيقة الطريق الذي صار به المملوكُ وزيرًا، والتأم به شملُ أسرةٍ مزّقها الحسد. يُري القرآنُ المؤمنَ أن الخيوط التي يعيشها فقدًا كثيرًا ما تكون عينَ الخيوط التي ينسج بها الله رحمةً لا تخطر له على بال.

تعلّمنا سيرة يوسف أن الصبر ليس استسلامًا؛ فهو لم يكفّ عن فعل الخير قطّ — في الجبّ والرقّ والسجن — مع تفويض النتيجة إلى الله. وتعلّمنا أن النزاهة تُختبر في الخلوة، فعفّته حين لا يراه أحد رفعته أكثر من كل ظهورٍ علني. وتعلّمنا أن العفو قوة لا ضعف، فإنّ قدرته على العقاب هي التي جعلت عفوه ذروة «أحسن القصص». فمن أثقلته خيانةٌ أو طال به ابتلاءٌ لا يرى له نهاية، فإن سورة يوسف جوابُ القرآن الرفيق الكامل: أنّ الذي رفع غلامًا من قعر البئر إلى خزائن مُلكٍ لا يغيب أبدًا عمّن توكّل عليه.

Advertisement