النبي يونس عليه السلام: دعاء من بطن الحوت
النبي يونس عليه السلام، ويُسمّى ذا النون — أي صاحب الحوت — أُرسل إلى أهل نينوى، وهم قومٌ عدّهم القرآن «مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ» (الصافات: 147). ولم تُجمع قصته في سورة واحدة بل جاءت موزّعةً في عدّة سور: الأنبياء والصافات والقلم، مع ذكر قومه في سورة يونس، السورة العاشرة التي حملت اسمه.
دعا يونس قومه إلى الله، فلما تمادوا في التكذيب خرج من بينهم مغاضبًا قبل أن يأذن الله له بالخروج: «وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ» (الأنبياء: 87). فركب سفينةً أثقلها الحمل وعصفت بها الريح، فاقترعوا ليخفّفوا عنها فوقعت القرعة على يونس (الصافات: 140–141)، فأُلقي في البحر.
هناك «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ» (الصافات: 142). وفي الظلمة الخانقة — ظلمة البحر اللُّجّيّ، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت — نادى ربّه بكلماتٍ صارت عند المسلمين في كل مكان دعاء الكرب والأوبة: «لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» (الأنبياء: 87). وهو دعاءٌ لا طلب فيه البتّة؛ إنما توحيدٌ لله، وتنزيهٌ لكماله، واعترافٌ صادق بالذنب.
ولم يبقَ ذلك الدعاء الموجز حبيسَ بطن الحوت؛ فقد علّمنا النبي ﷺ أنه دعاءٌ عظيمٌ لكل مكروب، فقال إنه ما دعا به مسلمٌ في شيءٍ قطّ إلا استجاب الله له (رواه الترمذي). فصار عبر القرون أوّلَ ما يفزع إليه المؤمن في الحزن والضيق — كلماتٌ يسيرةٌ تحمل حقيقة الإيمان كلها: الله وحده، والله المنزّه، والنفس المعترفة العائدة.
فاستجاب الله له: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ» (الأنبياء: 88). ثم يتأمّل القرآن فيما رفعه حقًّا من القاع: «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ» (الصافات: 143–144). فكانت حياته السابقة في العبادة، وسرعة أوبته بالتوبة، هما سبب النجاة. فنُبذ بالعراء سقيمًا، وأنبت الله عليه شجرةً من يقطينٍ تظلّه وتُطعمه (الصافات: 145–146).
والقرآن حريصٌ على أن يُبيّن أن النبيّ نفسه أُخذ بمغادرته موضعه قبل أن يأذن له ربه. كان يونس صالحًا وقومه معاندين، ومع ذلك وُصف خروجه مغاضبًا بأنه جعله «مُلِيمًا» (الصافات: 142). وليس هذا غضًّا من نبوّته، بل رحمةٌ في الحكاية: تُعلّمنا أن مقدار الصبر المطلوب من أقرب الناس إلى الله أعلى المقادير، وأن طريق العودة من أيّ زلّةٍ — مهما عظُم صاحبها — هو عينُ الأوبة المتواضعة التي أتاها يونس في الظلمات.
وثَمّ تفصيلٌ بديع آخر؛ إذ خصّ القرآن قوم يونس بأنهم القرية النادرة التي نفعها إيمانها وقد بلغ العذاب أبوابها: «فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ» (يونس: 98). فحيث أُهلكت أممٌ بتكذيب رسلها، تابت نينوى فنجت. وقد علّمنا النبي ﷺ التواضع في شأن يونس فنهى أن يقول أحدٌ إنه خيرٌ منه (صحيح البخاري، كتاب الأنبياء)، صونًا من أن يُحكم على نبيٍّ بلحظة ضعفٍ بشريّ دون مقامه الحقّ عند الله.
ونجاةُ نينوى تقوم على حقيقةٍ قرآنيةٍ أكبر: أن رحمة الله تسبق غضبه، وأن باب الأوبة يبقى مفتوحًا إلى آخر لحظةٍ يستطيع فيها المرء أن يلجه. مدينةٌ بأسرها وقد أظلّها وعيدُ العذاب مدّت يدها إلى ذلك الباب فوجدته غير موصد. فإذا كانت التوبة الصادقة قد ردّت عذابًا مشرفًا على مئة ألف، فما من نفسٍ واقفةٍ في خرابها إلا ولها من الأوبة متّسع.
وفي قصة يونس رحمةٌ لكل قارئ؛ فهي تعلّمنا أن لا ظلمة تستعصي على الله — فإن كان الدعاء يُسمع ويُستجاب من بطن حوتٍ تحت الموج، فما من حالٍ يقع فيها المرء إلا وفيها متّسعٌ للرجاء. وتعلّمنا أن التوبة تردّ الهلاك، فقوم يونس برهان القرآن الحيّ على أن الأوبة الصادقة إلى الله قد ترفع حتى عذابًا قد نزل. وتعلّمنا صورة الدعاء الحقّ: فدعاء يونس يبدأ لا بمطلبٍ بل بتوحيد الله والاعتراف بالذنب. فمن وجد نفسه في ظلماته الثلاث فبين يديه — في تلك الكلمات — عين الدعاء الذي حفظه القرآن له.