النبي نوح عليه السلام: صبر تسعمائة وخمسين عامًا
للنبي نوح عليه السلام مكانة فريدة في الإسلام؛ فهو أول رسول بعثه الله ليردّ الناس عن عبادة الأصنام. بدأ قومه بتعظيم رجالٍ صالحين ماتوا، حتى استحال تعظيم صورهم عبادةً أزاحت الخالق سبحانه. فبعث الله إليهم نوحًا برسالةٍ واحدة واضحة: «يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ» (الأعراف: 59). وقد أُفردت سورة كاملة لدعوته هي سورة نوح، السورة الحادية والسبعون، مع تفصيلٍ في سورتي هود والمؤمنون.
ولعلّ أعجب ما في رسالته طول مدّتها؛ فقد أخبر القرآن أن نوحًا لبث في قومه «أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا» (العنكبوت: 14) يدعوهم إلى الله. وعبر قرابة عشرة قرون لم يؤمن إلا قليل. وقد وصف اجتهاده الدؤوب لربّه: «رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا» (نوح: 5)، يدعوهم سرًّا وجهارًا (نوح: 8–9)، ويذكّرهم بنِعم الله من المطر والجنات والأنهار، فما كان جواب أكثرهم إلا السخرية وعنادًا يزداد قسوةً جيلًا بعد جيل.
وقد حفظ القرآن شدّة عنادهم؛ فكلما دعاهم «جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا» (نوح: 7). وكان أعظم تعلّقهم بأصنام آبائهم التي سمّتها السورة: وَدًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا (نوح: 23)، يوصي بعضهم بعضًا ألّا يذروها. فما قابل نوحٌ هذا الجدار باليأس، بل بتنويعٍ لا يكلّ: يحاجّ ويُنذر، ويذكّر بالمطر والزرع والسماء فوقهم، ويعرض المغفرة، ويدعو ليلًا ونهارًا. فما كان الخلل في الرسالة ولا في الرسول، بل في قلوبٍ عقدت العزم ألّا تسمع.
فلما تبيّن أن لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، أوحى الله إليه أن العذاب آتٍ، وأمره أن يصنع سفينة: «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا» (هود: 37). فصنعها في الأرض اليابسة بعيدًا عن أيّ بحر، فكان ملأ قومه كلما مرّوا به سخروا منه (هود: 38)، فيجيبهم بأنّ يومًا سيأتي ينقلب فيه السخر، وأنّ الذي يعلّمه الصنع يعلم لماذا.
وما تحوّل نوحٌ من دعوة قومه إلى الدعاء على ظلمهم إلا بعد أن أوحى الله إليه أنه «لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ» (هود: 36)، فسأل ألّا يُترك على الأرض من الكافرين ديّارًا (نوح: 26–27). ولم يكن ذلك دعاءً ممّن استسلم قبل أوانه، بل دعاء رسولٍ استنفد تسعة قرونٍ من الرحمة ثم فوّض الأمر كله إلى عدل الله. والفرق دقيق: صبرُ نوحٍ ضرب الأجل، وأمرُ الله — لا ضجرُ نبيّ — هو الذي جاء بالطوفان آخر الأمر.
ثم جاء الأمر؛ ففار الماء من الأرض وانهمر من السماء، وأُمر نوح أن يحمل المؤمنين ومن كل زوجين اثنين (هود: 40). ولما ارتفع الطوفان رأى نوح ابنه في معزلٍ فناداه بحرقة: «يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ» (هود: 42)، فأجابه الابن أنه سيأوي إلى جبلٍ يعصمه، فحذّره نوح أن لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فحال بينهما الموج فكان من المغرقين (هود: 43). وهو من أشدّ مواقف القرآن وقعًا: نبيٌّ حمل بقية المؤمنين إلى النجاة، ولم يقدر أن ينجّي ابنًا اختار الكفر.
فلما قُضي الأمر تلقّت الأرض نداءها: «يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ» واستوت السفينة (هود: 44). واستمرّ النسل البشري من نوح ومن آمن معه، ولذلك يُسمّى أحيانًا أبا البشر الثاني. وقد بقي اسمه في القرآن مثلًا في الصبر والمصابرة، ويُذكر يوم القيامة أوّلَ الرسل الذين يقصدهم أهل الأرض.
وقد سمّى القرآن السفينة نفسها آيةً: «وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ» (القمر: 15). وكان من ركبها قليلًا — وما آمن معه عبر تلك القرون كلها إلا قليل (هود: 40) — ومع ذلك استمرّت قصة البشر كلها بتلك البقية المؤمنة. وهي سنّةٌ مطّردة في الوحي: أن الله يحفظ الأرض لا بالكثرة التي تتبع أهواءها، بل بالقلّة التي تتمسّك بالحق حين يكون التمسّك أغلى ما يكون.
وقصة نوح تعيد ضبط ميزان النجاح عند المؤمن؛ فقد دعا تسعة قرونٍ ونصفًا إلى نفرٍ قليل، ومع ذلك هو من أولي العزم من الرسل، لأنّ النجاح في الإسلام يُقاس بالإخلاص والجهد لا بالنتائج الظاهرة التي هي إلى الله وحده. وتعلّمنا أنّ الحق كثيرًا ما يُقابَل بالسخرية قبل أن يتبيّن صدقه؛ فصنع السفينة في اليابسة بدا جنونًا حتى نزل المطر. وتعلّمنا — من خلال حزن أبٍ — أنّ الإيمان شأنٌ شخصيّ لا يُورَّث، وأنّ كل نفسٍ تُسأل عن اختيارها. فمن أحسّ أن عمله الصالح يمضي بلا ثمرة، ففي صبر نوح طمأنينةُ القرآن الهادئة بأنّ النتيجة لم تكن يومًا حِملًا على عاتقه.