Deen Hub

history

رأس السنة الهجرية ويوم عاشوراء: قصة شهر المحرّم

Deen Hub Editorial
2026-06-14
9 min read

عند كثيرٍ من شعوب الأرض تُستقبَل السنة الجديدة بالألعاب النارية والعدّ التنازلي، أما السنة الإسلامية فتُفتَح على نحوٍ مختلف؛ إذ يدخل شهرها الأول، المحرّم، بلا احتفال — شهرُ تذكُّرٍ لا شهرُ صخب. وليس في الإسلام أمرٌ بالاحتفال بانقضاء العام الهجري، بل تدعو المناسبة المؤمنَ أن ينظر إلى ما مضى، ويحاسب نفسه، ويجدّد نيّته للطريق الذي أمامه.

وللاسم نفسه دلالةٌ ثقيلة؛ فـالمحرّم من التحريم والتعظيم، وهو أحد الأشهر الحُرُم الأربعة التي اصطفاها الله يوم خلق السماوات والأرض: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ» (التوبة: 36). وهذه الأربعة — ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب — أشهرٌ يَعظُم فيها الإثم ويثقُل فيها الأجر، كما سمّاها النبي ﷺ في حجّة الوداع (رواه البخاري).

لماذا يبدأ التقويم بالهجرة

من أبلغ ما في التقويم الإسلامي موضعُ ابتدائه في العدّ؛ فالتاريخ الهجري لا يبدأ بمولد النبي ﷺ، ولا بأول الوحي، ولا بنصرٍ عسكريٍّ عظيم، وإنما يبدأ بـالهجرة — هجرة النبي ﷺ وأصحابه من مكة إلى المدينة سنة 622 ميلادية.

ولم يُفرَض التقويم في حياة النبي ﷺ، بل وُضع في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (نحو سنة 17 للهجرة / 638 ميلادية). فلما احتاجت الدولة المتنامية إلى نظامٍ ثابتٍ للتأريخ شاور عمرُ كبارَ الصحابة، فاتفقوا على العدّ من عام الهجرة. وكان الاختيار مقصودًا؛ إذ كانت الهجرة لحظةَ تحوُّل جماعةٍ مُضطهَدة إلى مجتمع — اللحظةَ التي انتقل فيها الإسلام من إيمانٍ في الصدور إلى نظامٍ عامٍّ يقوم على العدل والأخوّة والشريعة. وبربطِ الزمن نفسه بالهجرة أعلن المسلمون أن العبرة ليست بمبدأ الشيء بل باللحظة التي يُؤسَّس فيها لوجه الله. فكلُّ تاريخٍ يكتبه المسلم تذكيرٌ خفيٌّ بالتضحية في سبيل الدين.

شهر المحرّم الحرام

وليس المحرّم مجرّد علامةٍ على التقويم، بل له شأنه التعبّدي؛ فقد سمّاه النبي ﷺ «شهر الله»، وهو نسبةُ تشريفٍ لم يَنَلْها شهرٌ سواه، وجعله أفضل أوقات صيام التطوّع في العام كله بعد رمضان: «أفضلُ الصيام بعد رمضان شهرُ الله المحرّم، وأفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل» (صحيح مسلم 1163a).

وهذا الحديث وحده يعيد تشكيل معنى السنة الجديدة؛ فحيث تَسِم ثقافاتٌ كثيرة المناسبةَ بالتنعّم، وجّه النبي ﷺ أمّته إلى الصيام وقيام الليل — إلى الاقتراب من الله لا الابتعاد عنه. وفي هذا الشهر الحرام يومٌ واحد يعلو سائر أيامه: العاشر، المعروف بـعاشوراء.

يوم عاشوراء ونجاة موسى

تمتدّ قصة عاشوراء إلى ما قبل الإسلام بزمنٍ بعيد، إلى واحدةٍ من أعظم حوادث النجاة في تاريخ البشر. فقد حُوصِر النبي موسى عليه السلام وبنو إسرائيل بين جيش فرعون المطارِد والبحر، فأمر الله موسى أن يضرب الماء بعصاه، فانفلق فِرقَين كالطودين، وانفتح طريقٌ يابسٌ عبره المؤمنون (طه: 77؛ الشعراء: 63). فلما تبعهم فرعون وجنوده في قاع البحر انطبق عليهم الماء: «وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ» (البقرة: 50).

وقد حفظ القرآن لحظات فرعون الأخيرة بتفصيلٍ لا يُنسى؛ فلما أدركه الغرق صاح الطاغية الذي ادّعى الألوهية: «آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ» (يونس: 90) — لكنّ إيمانًا لا يُبذَل إلا على عتبة الموت جاء بعد فوات الأوان: «آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» (يونس: 91). وأخبر الله أنه ترك بدنه عبرةً باقية: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً» (يونس: 92).

هذا هو يوم عاشوراء. فلما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن ذلك، فأخبروه أنه اليوم الذي نجّى الله فيه بني إسرائيل من عدوّهم، فصامه موسى شكرًا. فقال النبي ﷺ: «فأنا أحقُّ بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه (صحيح البخاري 2004). فنجاةُ موسى ميراثٌ لسلسلة النبوّة كلها، فصار شكرُه جزءًا من عبادة المسلم.

كيف صام النبي ﷺ عاشوراء

ولصيام عاشوراء تاريخٌ يحاكي نشأة الأمة الأولى؛ فقد روت عائشة رضي الله عنها أن عاشوراء كان يُصام حتى في الجاهلية، وأن النبي ﷺ أمر بصيامه — حتى فُرِض صيام رمضان، فقال بعدها: «مَن شاء صامه ومَن شاء تركه» (صحيح البخاري 1893). فانتقل عاشوراء من فريضةٍ إلى نافلةٍ محبوبة.

وأجرُه عظيم؛ فقد سُئل النبي ﷺ عن صيام يوم عاشوراء فقال إنه يحتسب على الله أن «يُكفّر السنة التي قبله» (صحيح مسلم 1162a) — تُمحى به صغائر عامٍ كامل بصيام يومٍ واحد.

وفي أواخر حياته علّم النبي ﷺ أمّته أن تُخالف غيرها في هذه العبادة؛ فلمّا قيل له إن اليهود والنصارى يعظّمون العاشر قال: «لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنّ التاسع» (صحيح مسلم 1134a). وقد تُوفّي قبل أن يأتي ذلك العام، لكن من نيّته استنبط العلماء استحباب صيام التاسع والعاشر معًا — صيام تاسوعاء (التاسع) مع عاشوراء (العاشر).

دروسٌ لزماننا

  • السنة الجديدة للتجديد لا للضجيج. وجّه النبي ﷺ إلى الصيام وقيام الليل لا إلى الاحتفال، فالمحرّم دعوةٌ لإعادة ضبط العلاقة بالله.
  • ما نعظّمه يكشف ما نقدّره. أمّةٌ تبدأ تقويمها بهجرةٍ في سبيل الدين — لا بفتحٍ ولا بتتويج — أمّةٌ تقيس الزمن بالتضحية والإخلاص.
  • الشكر لا يَبلى. صام موسى شكرًا للنجاة، ووصل النبي ﷺ ذلك الشكر عبر القرون؛ فيعلّمنا عاشوراء أن شكر الله يجمع مؤمني كل عصرٍ على قلبٍ واحد.

أسئلة شائعة

متى رأس السنة الهجرية؟ يكون في الأول من المحرّم، أول شهور التقويم الهجري القمري. ولأن السنة القمرية أقصر من الشمسية بنحو أحد عشر يومًا، فإن تاريخها الميلادي يتقدّم كل عام ويُثبَت برؤية الهلال.

هل يجب الاحتفال برأس السنة الهجرية؟ لا. ليس في الإسلام احتفالٌ مشروع برأس السنة الهجرية، وإنما هو وقتٌ للتأمل الهادئ والشكر وتجديد النيّات الصالحة، لا للاحتفال.

ما يوم عاشوراء؟ عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرّم، اليوم الذي نجّى الله فيه النبيَّ موسى وبني إسرائيل من فرعون. وقد صامه النبي ﷺ وحثّ المسلمين على صيامه (صحيح البخاري 2004).

ما أجر صيام عاشوراء؟ علّم النبي ﷺ أن صيام عاشوراء يُرجى أن يُكفّر ذنوب السنة الماضية (صحيح مسلم 1162a). ويُستحبّ أن يُصام معه التاسع من المحرّم (تاسوعاء) (صحيح مسلم 1134a).

لماذا يبدأ التقويم الإسلامي من الهجرة؟ اختار الصحابة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب هجرةَ النبي ﷺ إلى المدينة مبدأً للتقويم؛ تخليدًا للحظة قيام المجتمع المسلم، لا لمولدٍ ولا لمعركة.

Advertisement

المراجع

Qur'an 9:36 — the twelve months, of which four are sacred.
Qur'an 2:50; 10:90–92 — the parting of the sea and the drowning of Pharaoh.
Qur'an 20:77; 26:63–66 — Musa strikes the sea and the believers cross.
Sahih al-Bukhari 2004 (Ibn Abbas) — the Prophet ﷺ fasts Ashura in Madinah.
Sahih al-Bukhari 1893 (Aisha) — Ashura before the fasting of Ramadan was obligatory.
Sahih Muslim 1162a (Abu Qatadah) — fasting Ashura expiates the preceding year.
Sahih Muslim 1134a (Ibn Abbas) — the intention to fast the ninth (Tasu'a).
Sahih Muslim 1163a (Abu Hurairah) — the best fast after Ramadan is the month of Allah, al-Muharram.